المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني والسلطات الحاكمة/ الأب ريبوار عوديش باسه

المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني والسلطات الحاكمة/ الأب ريبوار عوديش باسه
script async src="//pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js">

المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني والسلطات الحاكمة/ الأب ريبوار عوديش باسه

الأب ريبوار عوديش باسه

تطرق المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني في الدستور الرعائي “الكنيسة في العالم المعاصر” إلى موضوع حياة الجماعة السياسية حيث خصص فصلاً كاملاً لهذا الموضوع. نلخص فيما يلي الأفكار الرئيسية التي طرحت في هذا المجمع بخصوص حياة الجماعة السياسية:

١. يقول المجمع إن تطورات كثيرة وتحولاتٍ جذرية جرت في تكوين الشعوب، وفي أنظمتها في جميع المجالات، وكان لها الأثر البالغ على السياسة حيث ظهرت حكومات وأنظمة تعنى بحقوق الفرد وواجباته وفي ممارسة حريته الوطنية، وكذلك تقبل بحرية التعبير عن الرأي، وحرية ممارسة الدين، وتهتم بكرامة الإنسان. ولكن يقرّ المجمع بوجود بعض أنظمة سياسية في العالم تضع العراقيل في طريق الحرية الدينية والمدنية وغيرها، وتنتهك حقوق الإنسان، وترتكب الجرائم وتشن الحروب، وتُحَوِل عمل السلطة من خدمة الشعب إلى خدمة جماعة من الناس أو الحكام وحاشيتهم فقط. ولهذا من واجب المواطنين بل من واجب البشرية جمعاء مقاومة مثل هذه الحكومات. ولتشكيل أنظمة سياسية عادلة يجب الاهتمام بتنمية مفاهيم العدالة والمحبة وبذل الذات في سبيل المصلحة العامة، وكذلك بدعم كل العقائد الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها في الجانب السياسي.

٢. يحدد المجمع طبيعة الجماعة السياسية والغاية منها، حيث يقول إن الجماعة السياسية أُوجدت لخدمة المصلحة العامة. فالمصلحة العامة لا يمكن تحقيقها إلا بوجود نظام سياسي واسع النطاق يسهر على خدمة المواطنين، ويؤهل الأفراد والأُسر والجماعات لأن تكتمل بصورة أوفر وأيسر. ولذا يجب أن لا تكون الجماعة السياسية ذات طبيعة استبدادية، بل ذات طبيعة أدبية تركز على الحرية وتقدير المسؤولية. تستمد الجماعة السياسية سلطتها، في نظر المجمع، من الطبيعة البشرية، وبالتالي من نظام حدده الله. ولذا يجب أن يترك لإرادة المواطنين الحرّة أمر تحديد نُظم الحكم السياسية، وتعين من يتولون إدارة دفة الحكم. ويفترض من السلطة السياسية ممارسة سلطتها في حدود النظام الأخلاقي مستهدفة الصالح العام (كقوة محركة) وذلك في ظلّ نظام قضائي أقيم فعلاً بصفة شرعية. وعندئذٍ يلتزم المواطنون بالطاعة بحكم الضمير (رو ١٣، ٥) لذلك النظام. أما الطرق العلمية التي تتبعها الجماعة السياسية بمختلف أنواعها، فيجب أن تساهم في تكوين الإنسان المثقف المحب للسلام والعطوف على الجميع، وذلك لخير الأسرة البشرية بأسرها. يقول المجمع إن الدور الذي يضطلع به الحكام هو ذات طبيعة خطرة وحساسة ومُهمة، وإذا ما أدى الحكام دورهم بشكل صحيح وعادل فإنهم يستحقون كل الثناء الإكرام والتقدير.

٣. أما دور المواطنين في المجال السياسي بشكلٍ خاص، وفي مجال الحياة العامة بشكلٍ عام فهو مُهمٌ جداً. فوجود أنظمة سياسية وقضائية عادلة تمكن الجميع، وبدون تفرقة، من المساهمة بحرية ونشاط في وضع أسسٍ قضائية للجماعة السياسية، وفي إدارة الشؤون العامة، وتحديد مجال العمل، وأهداف الأجهزة المختلفة، وفي انتخاب الحكام. ولذا من الضروري جداً عدم إغفال المواطنين عن حقهم وواجبهم في ممارسة الاقتراع الحرّ في سبيل تحقيق الخير للجميع. وبخصوص العلاقة بين الحكام والمحكومين فيجب أن تكون مؤسسة على أسس أخلاقية. فإذا لجأت الحكومة إلى أساليب الحكم المطلقة أو الدكتاتورية تكون بذلك قد ألحقت ضرراً بالغاً بحقوق الأفراد والهيئات الاجتماعية وارتكبت عملاً غير إنساني. فلا يجوز للحكومة وضع عقبات في سبيل التنظيمات العائلية والاجتماعية والثقافية والهيئات والمنظمات الوسيطة، بل بالأحرى عليها تشجيعها. من مَهمات الحكومة إنماء حب الوطن لدى المواطنين، ولكن بطريقة متوازنة مع احترام كل الأجناس والشعوب والجنسيات في العالم أي بطريقة بعيدة عن العنصرية. إن فنّ السياسة هو شديد الخطورة والصعوبة، لأن مَهمة السياسي أو الحاكم تكمن في الكفاح ضدّ الظلم والطغيان والاستبداد وعدم التسامح، وبذل الذات لصالح الجميع بإخلاص واستقامة ومحبة وشجاعة، وبخلاف هذا يكون الحاكم قد ضلّ. وكذلك على الأحزاب السياسية تعزيز كل ما تراه ضرورياً للصالح العام، ولذا لا يجوز أن تُفَضِلّ مصلحتها على المصلحة العامة. أما المحكومين أو المرؤوسين فعليهم مراعاة ظروف الدولة وإمكانياتها ويتجنبوا تخويل السلطات الحاكمة نفوذاً يفوق طاقاتها وحدودها. وعليهم أيضاً الامتناع عن إحراج هذه السلطات بالمغالاة في طلب المساعدات والمزايا في غير وقتها. وكذلك على المحكومين أو المواطنين إتمام واجباتهم الوطنية مثل تقديم الخدمات المادية والمعنوية والشخصية للدولة وذلك في خدمة المصلحة العامة.

٤. أما فيما يخصّ موضوع العلاقة بين الجماعة السياسية والكنيسة فإن المجمع يميز بين وظيفة واختصاص كلٍ منهما. فالكنيسة لا ترتبط بأي نظامٍ سياسي، وإنما تدل على سمو الإنسان وتصونهُ. فيجب تكوين فكرة صائبة عن العلاقات الواجب قيامها بين الجماعة السياسية والكنيسة، إن كل من الجماعة السياسية والكنيسة مستقلة في نظامها الخاص عن الأخرى وقائمة بذاتها. ولكن كلتاهما تساعدان بصفة مختلفة على تحقيق الدعوة الشخصية والاجتماعية المشتركة لذات المجموعة من الناس. ترعى الكنيسة الحرية السياسية ومسؤولية المواطنين وتعززهما. والجماعة السياسية من جانبها يجب أن تضمن حرية الكنيسة في ممارسة شعائرها وإعلان رسالتها بدون عوائق، وتصون حقّ الكنيسة في إبداء رأيها فيما يتعلق بحقوق الفرد الأساسية وخلاص النفوس. الكنيسة تعضد وتعزز كل ما هو حق وصالح وجميل في المجتمع الإنساني، وتدعم السلام، ولكنها تقف في وجه الظلم والطغيان والاستبداد والشر، وتدين كل من يقف إلى جانب الشرّ والخطيئة بما في ذلك السلطات الاستبدادية اللاأخلاقية. يميز المجمع بين الأعمال التي يؤديها المؤمنون منفردين أو مجتمعين باسمهم الشخصي كمواطنين مهتدين بضميرهم المسيحي، والأعمال التي يقومون بها باسم الكنيسة متضامنين مع رعاتهم. ويؤكد المجمع بأن المسيحيين كأفراد وكمواطنين لهم حقّ المشاركة في الحياة السياسية، بل يحثّ المجمع المؤمنين على القيام بدورهم في الجماعة السياسية بصفة شرعية خاصة وشخصية. المسيحيون ملزمون بأن يكونوا قدوة لغيرهم بتنمية روح المسؤولية والتفاني في خدمة المصلحة العامة. أخيراً تجلّ الكنيسة إجلالاً كبيراً جداً الذين يكرسون أنفسهم لخير الدولة والمصلحة العامة وتقدر نشاطهم.

المصدر: المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، وثائق، الجزء الثاني، الكنيسة في العالم المعاصر، الفصل الرابع (حياة الجماعة السياسية) (مطبعة العالم العربي، ١٩٦٧) العدد (٧٣ ـ ٧٦) ص ١٥٦ ـ ١٦٥.

http://coptcatholic.net/وثائق-المجمع-الفاتيكاني-الثاني/

رابط مختصر
2017-10-05 2017-10-05
أترك تعليقك
0 تعليق
admin