الإستقصاء وعمل التحقيقات التي تسبق الاحتفال بالزواج :بقلم الاب سالم ساكا

الإستقصاء وعمل التحقيقات التي تسبق الاحتفال بالزواج :بقلم  الاب سالم ساكا
script async src="//pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js">

الإستقصاء وعمل التحقيقات التي تسبق الاحتفال بالزواج :بقلم الاب سالم ساكا

إلى جانبِ الإعداد الرعوي، الذي يتكلَّم عنه القانون/783 –البند1 من مجموعة قوانين الكنائس الشرقية، والإعداد الروحي المذكور في -البند2 منه، يجب الإهتمام أيضاً بالإعداد القانوني للزواج، حتى لا يتسبَّب أيّ إهمال أو تقصير في هذا المجال في بطلان الزواج ذاته. لذلك يأمر القانون بوجوب أن يثبت، قبل الاحتفال بالزواج، أنَّ ليس هناك ما يحول دون الاحتفال به صحيحاً وجائزاً: “يجب على رعاة النفوس، وفقاً لاحتياجات المكان والزمان، إتّخاذ الوسائل الملائمة لدرء جميع الأخطار المؤدّية إلى الاحتفال بالزواج على وجهٍ غير صحيح وغير جائز؛ ولذلك يجب قبل الاحتفال بالزواج، أن يتَّضح عدم وجود ما يحول دون صحّة الاحتفال به وجوازه” (القانون/785 –البند1). إنَّ هذا المبدأ العام، يُلزم رعاة النفوس، وفي المقام الأول كاهن الرعيَّة والرئيس الكنسي المحلّي، أو مَنْ يقوم مقامهما، أو الكاهن المفوَّض، بأن يتحرّوا، وأن يتحقّقوا من الإعداد اللازم، من أجل تحاشي، ليس فقط ما يمكن أن يبطل الزواج، وإنَّما أيضاً ما يمكن أن يحول دون الاحتفال به جائزاً.

أهميَّة إجراء الاستقصاء وعمل التّحريات: إنَّ أهميَّة إجراء الإستقصاء وعمل التّحريات لا تأتي من كونِ راعي الكنيسة يقوم بها تتميماً لأمرٍ قانوني، بقدر ما تأتي من ضرورة الحرص على ضمان صحّة سرّ الزواج، وإستقرار الحياة الزوجيَّة والعائلة كلّها. وهذه إحدى المهام الراعوية الأساسيّة في حياةِ كاهن الرعيَّة بصفته خادم الأسرار وراعي النفوس. لذلك من الضروري الإبتعاد عن التسرّع في الاحتفال بالزواج (الزواجات السريعة) أو عدم الجدّية اللازمة في عمليَّة الإعداد لها. إنَّ نصّ القانون/785 –البند1 يتضمَّن أيضاً على أن لا يمكن الاحتفال بالزواج، إلاّ إذا كان الراعي متأكداً معنوياً من أنَّ الزواج سيكون صحيحاً وجائزاً، وهذا يعني أنَّ الراعي لا يستطيع الاحتفال بزواجٍ يشكّ بأنَّه سيكون باطلاً. لأنَّ الاحتفال بزواجٍ، مع الشكّ بوجودِ مانعٍ مبطل، هو قبول ضمني بالاحتفال بزواج، قد يكون باطلاً، وهذا بالطبع أمرٌ خطير. لذا قبل الاحتفال بالزواج يجب: 1- التحقّق من كون طرفي الزواج خاليَين من أيِّ مانع يحول دون الاحتفال بزواجهما بشكلٍ صحيح وجائز. بمعنى آخر، أنَّه يجب إزالة كلّ شكّ جدّي يمكن أن يجعل الزواج المزمع الاحتفال به باطلاً. والشكّ يخصّ ليس فقط موانع الزواج المبطلة (القوانين/800- 812)، وإنَّما كلّ أمر آخر، يمكن أن يجعل الزواج باطلاً أو غير جائز، كرفضِ الإنجاب مثلاً أو الأمانة الزوجية أو ديمومة الزواج أو إنحلاله (القانون/824 –البند1 و2). 2- التحقّق من مدى معرفةِ الطرفين بالتَّعليم المسيحي، لا سيما في ما يتعلَّق بالزواج وبخواصّه الجوهريَّة وأهدافه. 3- التَّحقّق من أنَّ رضى الطرفين في الزواج قد تمَّ بملء وعيهما الكامل وحريّتهما التامَّة، ودون إكراه أو خوف، أو دون الغش والخداع لنيلِ هذا الرضى. بإختصار، إنَّ هذا التَّحرّي والاستقصاء يرمي في النهاية إلى معرفة مدى وعي الطرفين بالبُعد الكنسي لزواجها، وبأنَّهما راغبان في إتِّباع تعليم الكنيسة بهذا الخصوص. أمّا في حالة الشكّ الجدّي، ولم يفلح التَّحري أو الإستقصاء في إزالته، يمكن أنْ يلجأ الراعي الى الرئيس الكنسي المحلي لإستشارته، وهذا الأخير يمكنه بموجب القانون/794 –البند1، أن يدرس الموضوع، وربَّما أن يمنع عقد الزواج لفترة مؤقتة.

الشرع الخاصّ وطريقة إجراء الإستقصاء وعمل التحقيقات: لما كان الزواج في الوقت ذاته أمراً يهمّ الزوجين ويهمّ الصالح العامّ، فإنَّ الكنيسة والدولة على السواء إهتمتا دائماً، عن طريق تشريعاتهما، بالمتطلَّبات الأساسيَّة للاحتفال بالزواج. وهدف هذه التَّشريعات هو ضمان ألاّ يحتفل الطرفان بزواجٍ، يمكن أن تكون نتائجه مضرّة، سواء لطرفي الزواج أو لأولادهما أو للجماعة الكنسيَّة أو المدنية. مهما كان، نؤكِّد على أنَّ للزواج أهميَّة كبرى سواء كان على المستوى الكنسي أو المدني، إذ ينتج عنه مفاعيل قانونية. لذا قبل الإحتفال به، يجب التأكُّد وبكلِّ عناية على أنَّ لا شىء يحول دون إتمامه بطريقة صحيحة وجائزة من الناحية القانونية. من أجل هذا الغرض يحثّ القانون الكنسي كلَّ كنيسةٍ ذات حقٍّ خاصّ       (sui iuris) على أن تُحدِّد في شرعها، بعد التشاور مع الأساقفة الإيبارشيين من الكنائس الأخرى ذات الحقّ الخاصّ الذين يمارسون سلطتهم في نفس الولاية، نُظم وإجراءات لاستجواب الخطيبين وطرق التّحرّي أو الإستقصاء قبل مباركة الزواج أو الاحتفال به. فالشرع الكنسي العامّ إذن يترك هذا الامر لكلِّ كنيسة ذات حقٍّ خاصّ كي تُحدِّده حسب عاداتها وتقاليدها، لكنه يُحدِّد هدف هذا الإستقصاء وهو التأكّد من معمودية الخطيبين ومطلق حالهما (القانون/784). إنَّ المقصود هنا بمطلق الحال، ليس فقط أن لا يكون الطرفان مرتبطان بزواجٍ سابق، إذ هذا هو فقط أحد موانع الزواج، بل يقصد به خلوص أو خلوّ الخطيبَين من كلِّ ما من شأنه أن يمنعهما من الاحتفال بزواجٍ صحيح وجائز، إذ هناك موانع أخرى يجب التحقّق أيضاً من عدم وجودها. لذلك لا يكفي إبراز شهادة مطلق الحال من قبل الخطيبَين لكي يطالبا الاحتفال بالزواج، إذ لابدّ من إعداد سجل زواجهما الخاصّ الكامل من قبل كاهن الرعيَّة التي ينتمي إليها الخطيب. إنَّ التشريع القديم، الإرادة الرسولية “لنظام سر الزواج” (Crebrae Allatae Sunt) للبابا بيوس الثاني عشر التي أصدرها عام 1949م، كان قد حدَّد على أنَّ هذا الإستقصاء يجب أن يتمّ من خلال المناديات (القوانين/12- 18)، لذا كان على الكاهن أنْ يُعلِنَ علانيةً أسماء الراغبين في الزواج، إذا ما ورد ذلك في الشرع الخاصّ، لكلِّ مؤمني الرعيَّة. الغاية من ذلك هو إشهار أو إعلان لعامّة المؤمنين أمر الزواج وتسهيل إكتشاف الموانع التي قد تحول دون الاحتفال به جائزاً أو صحيحاً. أمّا التشريع الجديد فلا يذكر شيئاً عن المناديات، بل يترك كما ذكرنا من قبل لكلِّ كنيسة ذات حقٍّ خاصّ أن تُحدِّد الطرق الخاصّة بها لاجراء هذا الإستقصاء أو عمل التحقيقات.

على مَنْ تقع مسؤوليَّة الاإستقصاء وعمل التّحريات: تقع مهمّة الإستقصاء وعمل التحقيقات على عاتق رعاة النفوس (القانون/785)، وبطريقةٍ عملية على كاهن الرعيَّة التي فيها يكون مسكن أو شبه مسكن كلا الخطيبين (القانون/829 -البند1) ، واذا كان لكلِّ منهما رعيَّة مختلفة، فيكون الإستقصاء من مهامِّ كاهن رعيَّة الخطيب (الشاب) (القانون/831 -البند2). أمّا في الحالة التي سيتمّ فيها الزواج خارج رعيَّة الزوج، فعلى كاهن تلك الرعيَّة (رعيَّة الخطيب) أنْ يعلم الكاهن الذي سوف يبارك الزواج ويحتفل به بنتيجة الإستقصاء بوثيقة رسمية (القانون/787). في حالة خطر الموت، وإذا تعذَّر الحصول على أدلَّة أخرى، يكفي قَسَمْ الخطيبين بأنَّهما مُعمَّدان ومطلقا الحال (القانون/785 -البند2). فالقانون والذي هدفه الأسمى خلاص النفوس يسمح بذلك بهدف تصحيح وحلّ وضع غير سوي. على سبيل المثال معاشرة أو مساكنة بين شخصين بلا زواج مع وجود أولاد، ففي خطر الموت وضيق الوقت واستحالة أي أدلة أخرى، يكفي قَسَم الشخصان لاتمام مباركة الزواج. جميع المؤمنين يشاركون رعاة النفوس في مهمّة الاستقصاء وعمل التحقيقات وإن كان ذلك بطريقةٍ غير مباشرة. إذ عليهم أن يكشفوا للكاهن المسؤول أو للرئيس الكنسي المحلّي، قبل الاحتفال بسرِّ الزواج، عن الموانع التي قد يكونوا على علمٍ بها (القانون/786). من جهةٍ أخرى، حفظ السرّ لا يمنع كشف تلك الموانع إذا وُجدت، إلاّ إذا كانت معرفة هذا السرّ ناتجة من سرِّ الاعتراف، في هذه الحالة حفظ السرِّ يُعتبر الزامياً. أمّا في حالة أنَّ معرفة هذا السرّ تكون ناتجة عن الوظيفة، فعديد من القانونيين يؤكِّدون على واجبِ كشفه، أي أنَّه في هذه الحالة لا يوجد الالزام بحفظ السرِّ. في حالِ عمل الإستقصاء والتحرّي ولكن مازال يوجد شكّ فيما يخصّ معمودية أو مطلق حال الخطيبَين، يرفع الكاهن الأمر للرئيس الكنسي المحلّي (القانون/788). هذا ما يُحدِّده القانون الكنسي فيما يتعلَّق بعملية الإستقصاء والتحرّي. ومنه يتَّضح أنَّ الإستعداد والاهتمام الراعوي للزواج من ناحية، والإستقصاء أو عمل التحقيقات من ناحية أخرى هما أمران مختلفان لكن ليسا منفصلين. كلاهما يهدفان للتأكُّد من صحّة وجواز الزواج في حالةِ إتمامِه.

 سالم ساكا

رابط مختصر
2016-05-31 2016-05-31
أترك تعليقك
0 تعليق
admin