سايكس بيكو .. ذكرى وتاريخ أم واقع وحاضر متجدد کمال کرکوکی

script async src="//pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js">

سايكس بيكو .. ذكرى وتاريخ أم واقع وحاضر متجدد :بقلم الدكتور کمال کرکوکی

تمر في هذە الأیام الذكرى المئوية لتفاهمات سايكس – بيكو السرية التي تعتبر الأساس الذي تم بواسطته تقسيم المنطقة بين نفوذ القوى العظمى حينها، تحضيراً للسيطرة على تلك المناطق بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى. وبعد انتهاء الحرب قامت تلك القوى العظمى بالجلوس على طاولة المفاوضات لرسم خطوط ومعالم العالم الجديد بالذات لمنطقتنا.

لكن تم كل ذلك بطرق بعيدة تماماً عن تطلعات شعوب وأمم هذه المنطقة الزاخرة بالتنوعات الإثنية والعرقية والدينية والطائفية الشديدة التعقيد، وهنا تأتي الأمة الكوردية، التي تم تقسيم شعبها بين أربعة أجزاء، لتتميز بتضحياتها ونضال على مدى مئة عام قل نظيره في التاريخ الإنساني.

وتمضي قصص التاريخ لتخبرنا كيف تدافعت الأحداث والمصالح بين حروب جانبية وأخرى سياسية، وظهور معاهدات (مثل معاهدة سيفر في 1920)، لتُهْمَل وتعود معاهدات أخرى (مثل لوزان في 1923)، إلى أن استقرت المنطقة على شفير بركان يثور ويخمد … يخمد ويثور….. ولم تطفئ جذوته لمدة مئة عام!

لقد كُتب الكثير عن اتفاقية سايكس – بيكو، لكن الأهم والأعمق من كل الذي قيل، ووُثق، هو دور القوى العظمى حينها في رسم خطوط على الرمال، وتشكيل كيانات سياسية أطلقوا عليها حينها تسمية الدول، ولكي يكملوا ويضفوا على الرسوم صفة الواقع والحقيقة قاموا بالاعتراف بها.

أي انتهينا بكيانات خططتها القوى الدولية حسب مصالحها، خططوها، رسموا حدودها، ثم لصقوا أقاليم جغرافية مع بعضها، وجروا شعوباً وقبائل رغم إرادتها لتكون رعايا تلك الدول، ووضعوا حُكاماً ليكونوا سيوفاً لبعثِ الحياة والإبقاء على رسومات خطوط الرمال تلك.

وبهذا شُكلتْ مصائر أمم وشعوب، وصودرتْ حقوق وأصوات وهويات، وبعد مئة عام، ما الذي حققته قلاع الرمال تلك؟ وما الذي أنتجته تلك الدول الكارتونية؟!

في العراق لوحده، وإلى عام 2003، نجح هذا السراب الدولي بتحقيق إنجازات ستبقى محفورة في تاريخ الإنسانية، لعمق وحشيتها والمأساة التي تسببت بها للشعب الكوردي.

فقد استقبلنا مرحلة ما بعد صدام ونحن نحمل جراح (4500) قرية سوّيت بالأرض، الآلاف والآلاف من أشجار كوردستان المحروقة، (182000) من مدنيّينا العُزل قتلوا وشردوا ودفنوا أحياء في المقابر الجماعية في عمليات الأنفال، وعمليات جينوسايد وقتل جماعي متوالية، بما يقارب الـ(12000) من الكورد الفيلين، و(8000) من البارزانيين، ولا يفوتنا جرح حلبجة العميق واستعمال الأسلحة الكيميائية فيها، وأيضاً في ما يقارب (40) منطقة أخرى في كوردستان تم فيها استعمال الأسلحة الكيميائية والأسلحة المحظورة دولياً.

وفي العراق أيضاً، وبعد 2003، ماذا حققت تلك القلاع الهلامية؟! تم قطع رواتب موظفي “ما يسمى بالدولة”، تم قطع أرزاقهم منذ شباط (2014) قبل أن يحتل داعش ثلث العراق، وكما هو حال تاريخ العراق المعاصر دائماً، فقد ارتُكبت جريمة جينوسايد أخرى بحق الإزيديين وبحق المكونات والمجتمعات الدينية الأخرى كالمسيحين.

وهكذا وصلنا إلى 2016، والذكرى المئوية لسايكس بيكو، والدولة التي تم رسمها وتخطيطها ولصق أقاليم جغرافية ودفع شعوب لها، نجد أن ثلث أراضي العراق تحت احتلال داعش، أو تحت معارك الكر والفر، وجيشها غير قادر على حسم المعركة منذ ما يقارب السنتين، ونسيجها الاجتماعي الذي تم الدفع للصقه بشتى السبل ومنذ (100) عام يتفكك ويتفكك يوماً بعد آخر، كل منطقة ومحافظة وقضاء وقرية لديه مشكلة مغايرة تماماً عن الأخرى، فما يجري في بغداد لا يهم ولا يمت لمشاكل البصرة بصلة، والتجاذبات السياسية في ديالى مختلفة في طبيعتها وطبيعة حلولها عن مصير الأنبار واتجاهاته، كل هذا لأن مشروع دولة خطوط الرمل ورسومات الخيال هذه تمثل مشروعاً مُغايراً للمنطق والواقع والتاريخ والطبيعة، ولأن الدولة المزعومة لم تستطع وعبر تجربة دموية دامت مئة عام من أن تتبلور وتتقدم ولو خطوة واحدة إلى الأمام من يوم تأسيسها إلى يومنا هذا.

وبالتالي وبعد مئة عام، عدنا، وبدورة عقود تاريخية نعود إلى نقطة البداية، وإلى صورة وضع المنطقة قبل خطوط الرمال ورسومات الخيال وقرارات فرض الرسم على ما لا يناسب الواقع.

الآن العراق وبعد تجربة المئة عام عاد الوضع إلى طبيعته الأولى، الأقاليم الثلاثة التي تم صرف البلايين، والتضحية بالآلاف والآلاف، عادت إلى ما هي عليه أصلاً.

إقليماً سنياً واضحاً ديمغرافياً وتاريخياً وعقائدياً، إقليماً شيعياً هو الآخر لا مجال للشك في حدوده وديمغرافيته وتاريخه وعقيدته، وإقليماً كوردستانياً واضح المعالم والسكان والحدود والسيادة والاقتصاد والنظام السياسي، وتاريخه النضالي المليء بالتضحيات الكبرى والإنجازات التاريخية، يتقدم بصمود شعبه في وجه التحديات الاقتصادية التي ولّدتها بغداد ضده، وببسالة قوات البيشمركة في وجه أعتى هجمة إرهابية، ويحرر أراضيه العزيزة الواحدة تلو الأخرى، الوضع هذا كان قائماً وحاضراً دائماً منذ مئة عام، واستطاع أن يظهر بشكل لا يدع أي مجال للشك منذ سنوات، ونحن نستذكر مآلات تفاهمات سايكس بيكو، يجب أن نكون دقيقين في تشخيص الوضع الحالي، كما ويجب أن نكون واضحين في تشخيص نتائج الكيانات السياسية التي شُكلت بمنطق ومصالح لا تمت للمنطقة بصلة، وبإرادات همشت الشعوب وتطاولت على إنسانيتها.

ونحن نستذكر سايكس بيكو نجد أن الحلقة مفرغة، عادت وبعد مئة عام التجربة إلى حيث بدأت، لأنها كانت خاطئة بجميع المعايير، وأنتجت عقوداً من دكتاتوريات قمعية وتيارات استولت على مقدرات الشعوب ومصائرها.

لذلك، وبهذه القراءة السريعة لتاريخ تراكمت فيه مئة عام من المأساة والدماء والحروب، نخلص إلى القول إن وضع العراق الآن عاد تماماً إلى ما قبل تشكيله ولصق أقاليمه بالقوة.

وهكذا، فإن الخطوة التي يحتمها المنطق، وتحتمها الخارطة السياسية الدولية والإقليمية، والإرث الحضاري، والمسؤولية التاريخية، هي المضي بإجراء استفتاء حق تقرير المصير لشعب كوردستان، هذا الاستفتاء الذي تأخر لمئة عام، واستنزف الكثير من التضحيات الثمينة، الآن يجب يقرر شعبنا مصيره ويحدد مستقبله، الآن يجب أن يأخذ شعبنا جميع الوسائل الديمقراطية والسياسية المتاحة، ويقوم بإسماع صوته ورأيه للعالم بأنه شعب حر.

شعب أعطى الكثير للتاريخ الإنساني، واستطاع تحقيق الكثير في العملية الديمقراطية والسياسية التي تحكم موطنه، واستطاع ترسيخ سيادته الجغرافية والعسكرية والاقتصادية،  لهذا فهو لا يستحق أقل من الاعتراف به وبدولته وهويته وحقه الطبيعي والتاريخي والقانوني بإدارة شؤونه بحرية واستقلالية، حاله في ذلك حال جميع شعوب وأمم العالم الديمقراطي.

مئة عام من تجربة فاشلة تعود في دائرة دموية إلى نقطة البداية، تستحق منا تغييرها والتحول إلى تجربة إنسانية جديدة تعتمد قرار الشعوب وحقها في تحديد مصيرها. 216251Image1

رابط مختصر
2016-05-16 2016-05-16
أترك تعليقك
0 تعليق
admin