مدينة الله السرية القسم الاول. الفصل الثالث انتظار مريم على الارض : بقلم فريد عبد الاحد منصور

مدينة الله السرية القسم الاول. الفصل الثالث انتظار مريم على الارض : بقلم فريد عبد الاحد منصور
script async src="//pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js">
image

مدينة الله السرية القسم الاول. الفصل الثالث انتظار مريم على الارض : بقلم فريد عبد الاحد منصور

وبينما كان الله يتابع الخلق وضع نصب عينيه ابنه المتانس وامه الكلية القداسة فصنع كل شيء على صورتيهما او من اجلهما ( تجدر بنا الملاحظة مع اباء الكنيسة بان ابن الله لم يصر انسانا على صورتنا مما قد يكون انحطاطا بالنسبة له بل نحن الذين صنعنا على صورته وهذا شرف كبير لنا . وهذا يتضح من كلمات الله في خلق الانسان: ( لنصنع الانسان على صورتنا وهذا القول لا ينطبق بالفعل الا على الكلمة المتانس).

وقد خلق بالاخص ادم وحواء على مثليهما : ادم بقوة رجل في الثالثة والثلاثين من العمر وكان يشبه كثيرا بنفسه انسانية يسوع المسيح حتى كان يصعب ان يتميز عنه، اما حواء فكانت هي ايضا تشبه تمامًا العذراء القديسة بكل شىء. ولذا كان الله ينظر اليهما بارتياح كبير ولكن هذه الحالة السعيدة لم تدم طويلا.

فتن لوسيفورس برهة بجمال نفس وجسد ادم وحواء فحمل على اسقاطهما من هذه السعادة بجرفهما الى عدم الطاعة. ومارس غضبه الحسود هذا اولا ضد حواء لانه لاحظ ان مزاجها اكثر ضعفاً من مزاج ادم. وقبل ان يأتيها بالتجربة الغادرة التي ذكرها الكتاب المقدس شوشها بافكار غير مرتبة ذات عنف رهيب. وجعله انتصاره هذا يسكر من الفرح ولكن هذا الفرح لم يدم طويلا اذ راى بغضب وحزن توبة ادم وحواء السريعة وسمع الحلة الغافرة التي منحتهما اياها الرحمة الالهية. واضطرب رعدة بالاخص عندما جدد الله له التهديد الذي وجهه اليه في السماء وهو : المرأة ستسحق رأسك.

هذا التهديد بالسحق الذي لم يفقه معناه تماما التنين الجهنمي يراد به ان امرأة ستقوض مملكته العامة بتنزهها عن الخطيئة. وحسب القديس غريغوريوس النيصي ان رأس ابليس هو الانتصار الردئ الذي ادخل من جرائه الموت الى العالم بدسيسة منافقة وبلدغة أليمة أنفذ سماً مميتاً في شرايين الانسان اعني به الخطيئة الاصلية (عظة الميلاد)

كان هذا الوعد معزيا للبشرية وراح ينتقل الى العالم عبر الاجيال واختبر شعب الله ليحافظ على وديعة هذا الوعد ويساعد على اتمامه. فحيا رؤساء الكهنة هذه المرأة من بعيد كانها قوس قزح المصالحة مع الله والانبياء ، أحيوا ذكراها واوضحوا تتميم هذا الوعد. اشعيا احتفل بسر العذراء الأم وعمانوئيل(ف 7) وقدمها ارميا للشعب اليهودي كباعث على التوبة (ف 46) واقتدى بها سليمان في تشابيهه بالاناشيد التي تحتوي على اسرار الكلمة وامه الكلية القداسة والكنيسة مع المؤمنين. لذا توجه اليها من كل صوب دعوات الجنس البشري فتطفو كنيسة الخلاص فوق طوفان الطغيان الذي عم الارض.

وقد نشرت الخطيئة بدون حد طغيانها المدلهم حتى اصبح عمى قلوب المتعبدين لها عميقا بهذا المقدار فلم يعودوا يفطنون لخلاصهم. وتزايد عدد الحمقى حتى راح كل واحد منهم يتخيل الهًا على هواه واصبح امرا طبيعيا نسيان الالوهية الحقة بسب المكر العالمي. وبكلمة فقط كان لوسيفورس يتربع على عرش رفع بكل الرذائل وكان الله مهانا مستهزا به.

وفي الوقت نفسه كانت البشرية قد نمت وتوسعت حتى تؤلف للكلمة المتجسد شعبا كبيرا هو ملكه لان الحكمة الالهية ارادت ان من كان الاول في القصد يصبح الاخير في التنفيذ وفضلا عن ذلك فكثرة الشر كانت تجعل العلاج ضروريا وصلوات الصالحين تحرك صلاح الله اكثر مما تحرضه على الثار صيحات الخطيئة.

وفي ظلمة هذا الليل المدهم راى الله من الصواب ان يضيئ مصباحين براقين يبشران باقتراب وصول شمس العدل وهذين المصباحين يداعيان يواكيم وحنة.

كان القديس يعيش في الناصرة وكان دائما متضعا وعفيفا ممتلئا تقوى وقداسة. وقد سبر غور كثيرٍ من اسرار الاسفار المقدسة مستضيئا بانوار فائقة الطبيعة وكان يطلب من الله بدون انقطاع بابتهالات حارة مجئ المسيح المنتظر.

وكانت القديسة حنة تسكن بيت لحم وكانت منذ نعومة اظفارها تتحلى بطهارة وتواضع وقداسة وجمال فائق الطبيعة. وكان ايمانها ورجاؤها ومحبتها لا مثيل لها ولذا احتلت المرتبة الاولى بين كل قديسي العهد القديم. وبفضل اتصالاتها المتواترة بالعلي كانت تركز ابصارها دوما على الامور السماوية بدون ان تهمل البتة الاعمال المنزلية وقت ارتقت الى قمة كمال الحياة التاملية مجتمعة مع احياة العملية. وكانت هي ايضاً تبتهل الى الله دون انقطاع كي يرسل الى الارض المخلص الذي كانت بحاجة اليه. وطلبت منه فوق ذلك ، بما انها كانت مدعوة للزواج ، ان يعطيها شريك حياة يساعدها على خدمة الله بطريقة امثل. وفيما كانت ترفع الى الله هذه الصلاة. في نفس الوقت كان القديس يواكيم يرفع صلاة مماثلة.

لقد وصلت هاتان الصلاتان معا كاختين الى عرش الثالوث الاقدس الذي قرر في الحال اتحاد القديسين يواكيم وحنة برباط الزواج وان يصبحا والدَين لأم الكلة المتجسد . وعرض الثالوث الاقدس هذا المرسوم على الملائكة فمجدوه من اجله ومن اجل تتميمه ووكل الى الملاك جبرائيل امر تبليغ الشخصين المعنين بذلك.

فظهر الملاك جبرائيل بشكل جسماني للقديسة حنة التي كانت مستغرقة بتامل حار تطلب من الله مجئ مخلص العالم . فراته مشرق الجمال حتى اعتراها عند مشاهدته الخوف والفرح، وخرت ساجدة امامه. ولكن بما انه كان عالمًا بظروف سر التجسد قاوم علامة الاكرام المتضعة هذه وقال لها : > يا امة السيد، فليباركك العلي وليكن خلاصك ! استجابت العظمة الالهية لطلباتك وتريد ان تتابعي مطلبتها بمجئ المخلص. وفي غضون ذلك فهو يامرك ان تتخذي يواكيم زوجا لك ومعه يمكنك ان تثبتي في خدمته ومحبته. فلتبتهج نفسك في الرب!<

واكتفى رئيس الملائكة ان يتمم مهمته بالحلم فقط مع القديس يواكيم : > فليباركك الله، قال له، تابع رغباتك التقوية واتخذ حنة زوجة لك. فالعلي ملأ نفسها بالبركات، وارفع الشكر له لانه اعطاك اياها. وهو يوصيك ان تعتني بها جيدا لانها تقبلت عطية فائقة الثمن بسخائها تجاهك<!

واسرع القديس يواكيم مملوا سعادة وعرفانا بالجميل بهذه الرسالة وامتثل لما طلب منه وبعد وقت قصير تم الزواج دون ان يكشف احد هذين الزوجين الموقرين سره للآخر وكان للقديس يواكيم ست واربعون سنة من العمر اما حنة فاربع وعشرون.

صنعا من منزلهما في الناصرة هيكلا يترنمان فيه معا بعظائم الله وهما متفانيين بخدمته. وبما انهما كانا دائما فرحين به فكانا يتنافسان كل بدوره على ارضائه دائما. وكانت مرضاته تعالى قاعدة لكل اعمالهما وكانا يتممانها بكل ما امكنهما من الكمال. ولم يكن اي اضطراب يعكر السلام الذي كانا يتذوقان عذوبته.

وكانت حنة تمتثل بتواضع لطيف لمشيئة يواكيم وهذا الاخير كان يستبق رغبات زوجته ويفيض عليها الكرام حسب ما اوصاه رئيس الملائكة. وكانا يقسمان دخلهما الى ثلاث حصص متساوية يقدمان الحصة الاولى لهيكل اورشليم ويوزعان الثانية على الفقراء، ويكتفيان بالثالثة لحاجاتهما. وهكذا افاض الله عليهما الخيرات الزمنية بسب حسن استعمالهما لها.

وكان الله يفيض بالاخص على القديسة حنة افضل بركاته، وبما ان النظام والانسجام والكمال كانت اساس كل اعماله، لذا كان يجعل من حنة تدريجيًا اما جديرة بتلك التي ستكون هي وحدها ادنى منه وحده وارفع من سائر المخلوقات منذ وجودها. وحتى يهيئها لهذا الشرف الرفيع انعم عليها بمواهب رفيعة وعلوم مفاضة. وبالرغم من كل ذلك فقد كان هناك شوكة ألم في سعادة القديسة حنة وزوجها القديس. فقد مضى على زواجهما عشرون سنة ولم يرزقا ولدًا يجلب لبيتهما لذة وجوده.

وكان ذلك وقتئذٍ عارًا ، وكانا يعيران به بطريقة مهينة. ولكن العلي كان يهيئهما فعلا بهذا الاذلال الى الفرح الذي كان يعوزهما وقد اعطاهما الصبر حتى يخضعا بطاعة عمياء لعنايته ويزرعا بالدموع الثمرة السعيدة التي كان عليهما ان يجنياها. وبامره تعالى كانا يطلبانها بالحاح وارتبطا بنذر ان يقدماها له للهيكل ويكرساها لخدمته. وكان الروح القدس قد اراد فعلا بان التي ستكون بيتاً مقدسا لابن الله الوحيد ستودع للسيد بواسطة اهلها حتى ن قبل ان ترى الوجود وبعد سنة ذهب القديس يواكيم الى الهيكل بوحي الهي لكي يقدم صلوات وقرابين من اجل مجيء المسيح ولكي يهبه الله ولدا. وهناك صادف اناسا كثيرين من بلده. وامام الجميع وجه الكاهن ساخار هذه الكلمات القاسية : > لماذا تاتي ايها الرجل الذي لا منفعة منه تحمل الى الله تقادم لا يرضى عنها؟ انفصل عن الباقين واذهب من هنا.< لم يضطرب العجوزالجليل بل تحمل بتواضع كامل هذه الاهانة القاسية والتفت الى السيد وقال له : يا الهي لقد اتيت الى هنا بامر منك وها هو خادمك يطردني حقا ان خطاياي استحقت هذه الاهانة فساتقبلها بمحبة وخضوع ولكن انت يا الهي تحنن علي!

وذهب بعد هذه الصلاة المؤثرة بكل هدوء الى بيت كان له في الحقل وقضى فيه عدة ايام بتوسلات حارة فكان يقول : > يا اله ابائي، يا من انت اب ايضا، امنحني ارجوك السعادة بان اكون انا ايضا بدوري ابا. واذا كانت خطاياي تعارض رحمتك فابعد عني رغم حقارتي كل ما لا يرضيك. وانظر ايضا الى استحقاقات زوجتي القديسة. وها انا اجدد النذر من كل قلبي بان اكرس لهيكلك وخدمتك السليل الذي اطلبه من صلاحك. فمن اعلى عرش جلالك انظر بتحنن الى هذا الغبار الحقير الذي هو انا. وتنازل وارفعه حتى امجدك. وفوق كل ذلك لتكن مشيئتك لا مشيئتي <. وبينما كان القديس يواكيم يرفع الى الله هذه الصلوات المستعطفة حرض الرسول السماوي الملاك جبرائيل القديسة حنة ان تجتمع معه للصلاة نفسها . فقد سجدت هي بدورها وقالت لله بكل تواضع وثقة : > يا رب الجلالة الرفيعة، خالق وحافظ كل الاشياء اسمح لي ان اعبر عن حزني ورغبتي بالرغم من اني لست سوى تراب ورماد . اذكر التعزيات التي وهبتها لأم صموئيل والنعم التي غمرت بها ابائي. فاود انا يا سيدي ان اصنع كل تقدمة تحسن لديك . تنازل وتقبل تقدمة نفسي وحواسي وذاتي بكليتها لان ليس لدي شيء اقدمه لك افضل من ذلك. واذا وهبتني اخيرا ولدا فانا اكرسه من الان لخدمتك في الهيكل . فانظر بتعطف الى صغر وحقارة خليقتك ولتكمل مشيئتك في كل شيء.

فارتفعت صلوات هذين الزوجين الجليلين بكل عظمة ومع قداسة فائقة تناسب المقام الرفيع واللائق بامتيازهما كونهما سيصبحان الجدين المباشرين للسيد المسيح والوالدين لامه الكلية القداسة. ولذا فقد نالت هذه الصلوات استحسانا كبيرا لدى الثالوث الاقدس مع انها كانت موحاة منه وقد اعلم بها الملائكة ووكل ايضا الى الملاك جبرائيل مهمة نقل البشرى السعيدة للقديس يواكيم والقديسة حنة.

ظهر رئيس الملائكة للقديس يواكيم بشكل بشري بينما كان مستغرقا بثبات صلاة طويلة وقال له : > افرح ايها القديس لان امراتك سوف تلد لك ابنة ستسميها مريم بامر من الله. والحبل بها سيكون عجيبا يتغلب على عقم امها وستكون ممتلئة من الروح القدس. ستذهب الى الهيكل لتشكر الله على ذلك وكعلامة للحقيقة التي ابشرك بها ستلتقي بحنة عند الباب الذهبي <.

وانت القديسة حنة التى اوحى لها الله بسر التجسد قد طلبت منه في اللحظة ذاتها الاسراعفي تتميمه ولو تطلب حياتها ثمنا لذلك وقالت : > ان رؤية المخلص الالهي لتعزية كبرى ! وستكون سعيدة العائلة التي سيختار منها اما له <. وكم من المرار كانت تتحدث عن هذا الحدث العظيم مع ملاكها الحارس الذي كان يظهر لها غالبا. وكان ملاكها هذا حاضراً يتالق لمعانا اكثر من العادة لما ظهر لها رئيس الملائكة اجمل من الشمس وقال لها : > يا حنة خادمة العلي ان ايمان وتواضع وصدقات زوجك انت هي ايضا مرضية عند الله ولذا يريد ان تصبحي اما للتي هي مهياة ان تحمل ابنه الوحيد وستكون مباركة بين جميع النساء . قد حملت للقديس يواكيم بشرى ميلادها القريب ولكن اخفيت عنه مهمتها الفريدة وهذا اسر عليك ان تحتفظي به وان لا تكشفيه له. فاذهبي في الحال واشكري الله في هيكله وهناك ستصادفين زوجك عند الباب الذهبي وستتحدثين معه عن النعمة العظمى التي اعطيت لك.

ولدى سماعها هذا التاكيد كانت حنة بحاجة الى عون خاص من الروح القدس حتى لا يغمى عليها تحت تاثير الفرح الذي شعرت به . واسرعت ما قيل لها الى اورشليم وهناك صادفت يواكيم عند الباب الذهبي كما تنبا لها رئيس الملائكة. فدخلا معا الى الهيكل وهناك فاضا بالشكر الحار وحمدا الله على هذه النعمة الثمينة وقدما له القرابين من اجل الغاية نفسها وتقبلا انواراجديدة من الروح القدس.

وفيما هما عائدان الى البيت لم يكونا يسأمان التأمل بالعجائب التي كانا موضوعًا لها . وقد تبادلا الامر الذي اعطي لهما وهو ان يتحدا معا لخدمة الله ويجددا نذرهما بتكريسهما له الولد المنتظر، وتعهدا ايضاً بان يعودا الى الهيكل كل سنة في مثل هذا اليوم التذكاري حتى يحملا مع الشكر التقادم السخية، وراحا ينتظران اخيراً بعواطف نقية وفائقة الطبيعة ولد الصلاة والمعجزة.

وبعد ذلك بقليل انعم على القديسة حنة وحدها بمشاهدة الله برؤيا سامية او ظهور ذهني عقلي . فغمرها بالبركات وجعل جسدها كله روحانيا وارتقى بنفسها الى درجة من الكمال رفيعة حتى انها منذ ذلك اليوم لم يعد يغرب ابداً عن نظرها. وقال لها الله بعدئذٍ ” ياحنة خادمتي العزيزة لقد حان الوقت الذي سيصبح فيه ابني انساناً ليخلص البشر . ويجب ان يولد من امراة ستبقى عذراء نقية مع كونها امًا وسترتقي بفضل هذا الشرف الرفيع فوق سائر المخلوقات وها انا اجعلك الآن اما لها”.

كيف يستطاع التعبير عن فورة الفرح وعرفان الجميل التي حركتها هذه الاقوال في قلب القديسة حنة؟ـ فصرخت : “سيدي انني اعرف جيدا انني لست اهلا لكل هذا الصلاح وما عساي استطيع ان اقدم لك بدلا من ذلك انا الدودة الصغيرة الحقيرة؟ اني لا اعرف ان اقدم لك شكرًا إلا ذاتك نفسها مع عظمتها غير المتناهية ، وذبيحة إلا شخصي مع كل مؤهلاته. واقر باني لا استحق حتى ان اكون خادمة لتلك التي ستصبح اما لابنك وابنة لي. وها انا اخر ساجدة على قدميك اتضرع اليك ان تجعلني اهلاً للمقام الذي تتنازل وتشرفني به ” . وانجذبت بعدئذٍ باختطاف عجيب تمكنت في اثنائه ان تغوص بمعرفة عميقة لأسرار الانجيل وخاصة لسر التجسد.

وهكذا كان الله قد هيأ لمريم اما اعتنت بها بكل احترام والمحبة والتضحية التي تليق بها.

رابط مختصر
2016-02-23
أترك تعليقك
0 تعليق
admin