الطاعة في الكنيسة لمن؟ :بقلم المطران يوسف توما

الطاعة في الكنيسة لمن؟ :بقلم المطران يوسف توما
script async src="//pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js">
الطاعة في الكنيسة لمن؟

المطران يوسف توما

مقدمة تردد في بعض الأوساط الرقمية مقالات تنوّه عن ان انتمائنا نحن الكلدان الى الكنيسة الكاثوليكية يجعلنا في تبعية إلى الفاتيكان أو البابا. ويبدو أن المسألة هي في: منْ يتبَع منْ؟ أو هل أنا حر في إيماني؟ أو على أن آخذ بإيمان آخر بعيد عن تقاليدي وهويتي؟ يجدر بنا أن نتناول الموضوع من منظور قادر أن يكشف معنى الطاعة في الكنيسة فما نقوله هنا قد ينطبق على كل جماعة أخرى سواء بسواء، لأن كل الجماعات لا بد أن تعمل في تركيبة تحتاج الى ممارسة نوع من السلطة، فالذين يقومون بأي عمل يخصّ حياة الجماعة سيفهمون أن النصوص المقدسة والقوانين والأعراف والتقاليد كلها تشير إلى السلطة ومقاليدها ومفاتيحها، والكنيسة أيضا تخضع لمثل هذه المسارات. كيف يمكن إذن أن نحدد سلوك المؤمن وحريته تجاه تلك القوانين ومن الذي يصدرها ويتحكم بها؟

اتفاق واختلافات منذ البداية كان لدى المسيحيين الاولين حاجة الى تحديد السلطة في الكنيسة ويظهر ذلك جليا في سفر اعمال الرسل حيث نقرأ: “وكان المؤمنون كلهم متحدين، يجعلون كل ما عندهم مشتركا بينهم” (2 : 44)، والآية التالية دقيقة الوصف: “كانوا يلتقون كل يوم في الهيكل بقلب واحد، ويكسرون الخبز في البيوت، ويتناولون الطعام بفرح وبساطة قلب، ويسبّحون الله، (2: 46). هذه النظرة المثالية فهمت وكأنها تصوّر مجتمعًا من دون سلطة، وقد أصبح هذا الوصف هو النموذج الذي سار عليه كل المؤسّسين والمصلحين عبر التاريخ والقرون، أرادوا تحقيقه ليستعيدوا النقاوة الأصلية والبساطة التي تمتعت بها الجماعة المسيحية الأولى. مع ذلك، بالرغم من هذه الصورة الطوباوية، يذكر سفر اعمال الرسل أيضا بعض الإشكالات التي حدثت وما أصاب تلك الوحدة من مشاكل وصراعات: بين بطرس وبولس ويعقوب خصوصا لدى اجتماعهم الأول في اورشليم، ليبتّوا في مسألة فرض الختان على العابرين من الوثنية إلى المسيحية، فتساءلوا: هل نطبّق شريعة موسى على هؤلاء المؤمنين الجدد أم لا؟ هذا السؤال لم يكن سهلا أبدا واللغط والتجاذب بين الآراء أخذ يوحي بانقسامات خطيرة وقد حدثت فعلا. فالكنيسة لم تكن موحّدة في العمق، لذا احتاج الرسل والتلاميذ الاولون إلى شخصية واندفاع بولس الرسول الجديد وحكمة يعقوب وسلطة بطرس لكي يصلوا إلى اتفاق مشترك حول هذا الموضوع الشائك وسوف يصبح هذا مسارا ونموذجا لحل المشاكل في الأزمنة اللاحقة.

كل ماذا تقف السلطة في المسيحية؟ كل مجتمع – أيا كان -يحتاج إلى ممارسة السلطة وذلك للتنظيم تركيبته، وإلا برزت الانقسامات على الدوام. لذا حاول الرسل حل هذه المسألة بالاعتماد على ما تركه يسوع من مفهوم جديد للسلطة في العشاء الأخير قبل موته على الصليب، ترك ثلاثة مقوّمات للسلطة: الإختيار، فكل عضو في الجماعة هو اختاره بنفسه (لستم أنتم اخترتموني بل أنا اخترتكم)، ثم بعد ذلك غذاه بكلامه تحت سلطة بطرس الذي اختاره الأول، وهذا الكلام على التلميذ أن يحفظه ويتذكر ما عمله يسوع وعلمه وأن يخبر بموته وقيامته، الاختيار والكلمة والتذكر هي إذن ثلاثة لا تنفصل عن لدى أي ممارسة للسلطة في الكنيسة، وهنا يأتي الروح القدس، الذي يناله التلاميذ وهو الذي سيذكرهم دائما لكي لا ينسوا ويضيعوا.

من لديه السلطة في الكنيسة؟ تسلمت الكنيسة من يسوع كلامه كعطية فتأملت به وأسست عليه كمصدر لكل سلطة، معتمدة على ما جاء في الكتاب المقدس وتعليم الرسل وخلفائهم من بعدهم أي الأساقفة، ملتفين حول القديس بطرس وخليفته أي البابا، “خادم خدام الله”، الذي يرأس الجسم الكامل لشعب المؤمنين الذين يعمل الروح القدس فيهم. أما من ناحية الكتب المقدسة فلها سلطة الله نفسه إذ إنه هو الذي يتكلم من خلال الاسفار التي نسمّيها العهد القديم والعهد الجديد ومن خلالها يعلمنا ويذكرنا ويقودنا إلى معرفة سرّه.

مهمة الأساقفة تجاه المؤمنين أكدت الكنيسة دائما، عبر التاريخ، أن على الأساقفة أن يلتفوا متحدين فيما بينهم ومع البابا يساعدهم ويسندهم الروح القدس لكي يقودوا بالأمانة إلى الكتب المقدسة ويعلنوا ويبشروا بحقائق الايمان. وقد تناول المجمع الفاتيكاني الثاني (1962 – 1965) بشكل معمق مهمة الأساقفة لكن من دون تجاهل أن كل مسيحي لكونه نال الروح القدس لديه القابلية على التمييز الروحي ومعرفة أساسيات الايمان.

سلطة البابا أسقف روما كثير من المؤمنين يرون البابا كمصدر وحيد للسلطة، متذكرين ما قال يسوع لبطرس: “انت الصخرة وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي” (مت 16: 17-19). لكن ما يعلنه يسوع لبطرس يقوله أيضا لكل الجماعة عندما ينفخ فيهم ويقول: “تقبلوا الروح القدس، من غفرتم لهم خطاياهم تغفر لهم ومن امسكتم علهم الغفران يمسك عليهم” (يو 9: 19-23). بطرس إذن لم يعلن قائدا ورئيسًا أوحد يتسلم مهمة الحفاظ على وحدة جسم الكنيسة، من دون هذه الشركة تفقد خدمة البابا معناها إذا ما مورست في العزلة كسلطة مفصولة عن شعب الله وعن الأساقفة.

الحرية المسيحية تحت هداية الروح القدس عندما نتكلم عن السلطة لا ينبغي أن ننسى البشرى السارة التي اعلنها يسوع. فالقديس بولس يقول لأهل غلاطية: “لقد دُعيتم الى الحرية”، ثم يتكلم عن حرية المسيحي بمثابة حياة تحت هداية الروح القدس: “إِنْ كُنَّا نَعِيشُ بِالرُّوحِ، فَلْنَسْلُكْ أَيْضًا بِحَسَبِ الرُّوحِ”. (غلا 5: 15، 25). وهذا يذكرنا بمقومات السلطة الثلاثة التي ذكرناها أعلاه، أي الاختيار والكلمة والتذكر، والروح نفسه يعمل فينا ويساعدنا على قراءة الكتاب المقدس الذي أوحى به، فنفهم المعنى العميق للإيمان الذي أعطي للشعب المسيحي أي المعنى المستقبلي: “وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لأَنَّهُ لاَ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ” (يو 16: 13)، هذا الروح نفسه يقود البابا في اعلاناته الإيمانية الرسمية حين يتطرق إلى الايمان لمجمل الكنيسة، كذلك نحن اذا ما استسلمنا لهذا الروح القدس سنعي ونفهم حريتنا كاملة وهذه الحرية تقودنا نحو ممارسات وتصرفات صائبة.

هل يمكن للمؤمنين أن يؤثروا على قوانين الكنيسة؟ لنتذكر، على سبيل المثال، المكانة التي استعادها المؤمنون للكتاب المقدس في حياتهم منذ حوالي القرن، وكيف صاروا يتذوّقون قراءة أسفار الكتاب المقدس والمشاركة الفعلية في الطقوس الليتورجية، وكذلك صاروا يعرفون قيمة صلاتهم وأدعيتهم ولقاءاتهم في الجمعيات والأخويات وعملهم الدؤوب في تقوية الحركة المسكونية مع بقية الكنائس… كل هذه الأمور الجديدة تطورت عبر سنوات قبل المجمع الفاتيكاني الثاني، وكان لها تأثير كبير على كتابة نصوص المجمع، ويمكن للقارئ أن يرجع إلى تلك النصوص. مسألة السلطة في الكنيسة إذن ليست إدارية فقط – فهذا جانب منها – لكن السلطة فكرية وروحية أيضًا، وعندما تجتمع هذه الثلاثة أي الفكر والروحانية والإدارة الحكيمة، سوف تتطابق مع الاختيار والكلمة والتذكر أي سنتمكن من تأويل الماضي والإصغاء إلى الحاضر والتطلع إلى المستقبل برجاء وفرح. سلطة الكنيسة سلطة معنوية وليست سياسية ولا عسكرية من يطيع لا بأس ومن يعصى فلن ترسل الكنيسة الشرطة لتكبيله واجباره.

كركوك 2 أيلول 2015

رابط مختصر
2015-09-02 2015-09-02
أترك تعليقك
0 تعليق
admin